جمال الدين بن نباتة المصري

108

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

نواحيهم ، واتّخذوهم أغراضا ؛ وله متحوّل ! فجعل الأحنف يقول : اللّهم وفّق ، اللهمّ سدّد . فقال العبد للعبد : فما الحيلة ؟ قال : أن ينادى السّاعة بالرحيل ، وإنّما بينه وبين الغيضة فرسخ ، فيجعلها خلف ظهره فيمنعه اللّه بها ؛ فإذا امتنع ظهره بها بعث بمجنّبتيه اليمنى واليسرى ، فيمنع اللّه تعالى بهما ناحيته ، ويلقى عدوّه في جانب واحد . فسجد الأحنف ثم نادى بالرّحيل من مكانه ؛ حتى أتى الغيضة ، فنزل في قبلها ، وأصبح فأتاه العدو ، فلم يجدوا سبيلا إلّا من وجه واحد وهوّلوا بطبول أربعة ، وركب الأحنف ، وأخذ اللواء ، وحمل بنفسه على طبل فشقّه ، وقتل صاحبه وهو يقول : إن على كلّ رئيس حقّا * أن يخضب الصّعدة أو تندقّا وشقّ بقيّة الطّبول ، فلمّا فقد الأعاجم أصوات طبولهم انهزموا ، وركب المسلمون أكتافهم ، وكان الفتح . ثم عدّد خالد عنه بقيّة يومه « 1 » إلى أن انقضى [ النهار ] « 2 » . وللأحنف حكايات حسنة ، وألفاظ محكمة ، ومؤاخذات معدودة عليه . فمن حكاياته ما حدّث بعض غلمانه ، قال : كان الأحنف يكثر الصّلاة بالليل ، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه ثم يقول : حسّ ، ويقول : ما حملك على أن صنعت كذا وكذا في يوم كذا ؟ وشكا إليه رجل وجع ضرسه ، فقال : لقد ذهب نور عيني منذ ثلاثين سنة ، ما علم بذلك أحد . وقال له عمر رضى اللّه تعالى عنه : أىّ الطعام أحبّ إليك ؟ قال : الزّبد

--> ( 1 ) ط : « أيامه » . ( 2 ) من ط .